يُعد اندماج الشركات من أبرز الوسائل القانونية التي تساعد الشركات على إعادة هيكلة أعمالها وتحقيق النمو والاستمرار في بيئة اقتصادية تتسم بالتغير والمنافسة فقد تلجأ الشركات إلى الاندماج لتوسيع نشاطها، أو زيادة قدرتها التنافسية، أو تخفيض التكاليف التشغيلية، أو مواجهة التحديات المالية والإدارية ونظرًا لما يترتب على الاندماج من آثار تمس الشركاء والدائنين والمتعاملين مع الشركة، فقد حرص المنظم السعودي على تنظيمه من خلال أحكام واضحة في نظام الشركات، بما يحقق التوازن بين منح الشركات المرونة في إعادة هيكلة أعمالها وبين حماية أصحاب الحقوق.
اندماج الشركات في نظام الشركات
نظمت المادة225)) صور الاندماج، فقررت أنه يكون إما بضم شركة أو أكثر إلى شركة قائمة، أو بمزج شركتين أو أكثر لتأسيس شركة جديدة ويُظهر ذلك مرونة النظام في تمكين الشركات من اختيار الصورة الأنسب لطبيعة نشاطها ومصلحتها.
وأوجبت المادة إعداد مقترح للاندماج يوافق عليه كل طرف وفق إجراءات تعديل عقد التأسيس أو النظام الأساس، متضمنًا شروط الاندماج، وطبيعة المقابل وقيمته، وعدد الحصص أو الأسهم المستحقة، وبيان قدرة كل شركة على الوفاء بديونها وتهدف هذه البيانات إلى تعزيز الشفافية وتمكين الشركاء والدائنين من تقدير آثار الاندماج قبل إقراره.
كما أجازت المادة (225) اندماج الشركة ولو كانت في مرحلة التصفية، متى توافرت الشروط النظامية، بما يعكس مرونة تشريعية قد تجعل الاندماج بديلًا أنسب من التصفية الكاملة للمحافظة على النشاط والالتزامات.
واشترطت المادة كذلك تقييم أصول كل شركة، وأن يكون مقابل الاندماج حصصًا أو أسهمًا في الشركة الدامجة أو الناشئة ويسهم هذا الشرط في تحقيق العدالة بين الشركاء وضمان تناسب المقابل مع القيمة الفعلية للأصول.
وتناولت المادة (226) حالات الاندماج بين الشركات المملوكة بالكامل، وأحالت تفصيلها إلى اللائحة التنفيذية. وقد بينت المادة (87) من اللائحة التنفيذية إمكانية استثناء بعض هذه الحالات من إجراءات معينة، مثل إعداد مقترح الاندماج أو تقييم الأصول، متى انتفت الحاجة إليها بسبب وحدة الملكية وعدم تعارض المصالح.
أما المادة (227) فركزت على حماية الدائنين، فأوجبت الإعلان عن الاندماج قبل التصويت عليه بثلاثين يومًا على الأقل، ومنحت دائني الشركة المندمجة حق الاعتراض خلال خمسة عشر يومًا من الإعلان وعند الاعتراض، تلتزم الشركة بالوفاء بالدين الحال أو تقديم ضمان كافٍ للدين المؤجل، وللدائن اللجوء إلى الجهة القضائية المختصة عند عدم الاستجابة.
ويبرز من ذلك أن النظام لم يجعل الاندماج وسيلة للإضرار بالدائنين، إذ منح القضاء سلطة الأمر بالوفاء أو تقديم الضمان، بل ووقف الاندماج أو تأجيله متى ثبت احتمال وقوع ضرر جسيم.
وحددت المادة (228) تاريخ نفاذ الاندماج، فيكون من تاريخ قيد بيانات الشركة المندمجة في سجل الشركة الدامجة، أو من تاريخ قيد الشركة الجديدة في حال الاندماج بطريق المزج ويحقق ذلك وضوحًا في بدء الآثار القانونية للاندماج.
وقررت المادة (229) انتقال جميع حقوق الشركة المندمجة والتزاماتها وأصولها وعقودها إلى الشركة الدامجة أو الناشئة عن الاندماج، بوصفها خلفًا عامًا لها، بما يضمن استمرارية العلاقات القانونية واستقرار المعاملات التجارية.
آلية اندماج الشركات في المملكة العربية السعودية
تبدأ عملية اندماج الشركات بإعداد مقترح الاندماج من قبل الشركات الراغبة في الاندماج، متضمنًا شروط الاندماج وطبيعته والمقابل الذي سيحصل عليه الشركاء أو المساهمون، وفقًا لما نصت عليه المادة (225) من نظام الشركات ويُعرض المقترح على الشركاء أو المساهمين للموافقة عليه وفق الإجراءات النظامية المقررة لتعديل عقد التأسيس أو النظام الأساس.
بعد ذلك تُستكمل الإجراءات النظامية، ومن أبرزها تقييم أصول الشركات محل الاندماج، والإعلان عن الاندماج قبل موعد التصويت عليه بما لا يقل عن ثلاثين يومًا، وذلك لتمكين الدائنين من ممارسة حقهم في الاعتراض وفق المادة (227) من النظام وإذا اعترض أحد الدائنين، وجب على الشركة الوفاء بالدين إن كان حالًّا أو تقديم ضمان كافٍ إذا كان مؤجلًا، وللدائن اللجوء إلى الجهة القضائية المختصة إذا لم تُستوفَ حقوقه.
ويصبح قرار الاندماج نافذًا بعد قيده في السجل التجاري وفق المادة (228)، ثم تنتقل جميع حقوق الشركة المندمجة والتزاماتها وأصولها وعقودها إلى الشركة الدامجة أو الشركة الناشئة عن الاندماج، وفق المادة (229) من نظام الشركات.
الفرق بين الاندماج والاستحواذ
ورغم أن الاندماج والاستحواذ يُعدان من وسائل إعادة هيكلة الشركات، فإن بينهما اختلافًا جوهريًا في الأثر القانوني حيث يتم الاندماج إما بضم شركة إلى شركة قائمة أو بمزج شركتين أو أكثر لتأسيس شركة جديدة، ويترتب على نفاذه وفق المادة (229) انتقال جميع حقوق الشركة المندمجة والتزاماتها وأصولها وعقودها إلى الشركة الدامجة أو الشركة الناشئة عن الاندماج، لتصبح خلفًا لها. أما الاستحواذ، فهو يقوم على تملك شخص أو شركة لأسهم أو حصص شركة أخرى بما يؤدي إلى السيطرة عليها، مع بقاء الشخصية الاعتبارية للشركة المستحوذ عليها قائمة، بخلاف الاندماج الذي قد تنقضي فيه الشخصية الاعتبارية للشركة المندمجة. ولا ينظم نظام الشركات الاستحواذ بذات التفصيل الذي نظم به الاندماج، إذ تخضع عمليات الاستحواذ ـ ولاسيما على الشركات المدرجة ـ لأحكام نظام السوق المالية ولائحة الاندماج والاستحواذ الصادرة عن هيئة السوق المالية
وضع المنظم السعودي تنظيمًا متكاملًا لاندماج الشركات يوازن بين تسهيل عمليات إعادة الهيكلة وحماية حقوق الشركاء والدائنين، فقد أحاط الاندماج بضمانات مهمة، مثل إعداد مقترح واضح، وتقييم الأصول، والإعلان المسبق، وتمكين الدائنين من الاعتراض، وتحديد تاريخ نفاذ الاندماج، وانتقال الحقوق والالتزامات بصورة تلقائية إلى الشركة الدامجة أو الناشئة. ويرى الباحث أن هذه الأحكام تعكس توجهًا تشريعيًا حديثًا يهدف إلى دعم استمرارية الشركات وتعزيز جاذبية البيئة الاستثمارية في المملكة، مع المحافظة في الوقت ذاته على مبدأ حماية الحقوق وتحقيق العدالة بين جميع الأطراف.
إخلاء مسؤولية: المحتوى المذكور أعلاه لا يُشكل استشارة قانونية، ولا يتحمل المكتب أي مسؤولية قانونية. للاستشارات القانونية، يُرجى التواصل معنا.
