دور الأنظمة واللوائح في تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في سوق العمل السعودي

شهدت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة حراكًا تشريعيًا وتنظيميًا متسارعًا استهدف تطوير سوق العمل ورفع كفاءته وتعزيز جاذبيته، وكان تمكين المرأة وزيادة مشاركتها الاقتصادية من أبرز ملامح هذا التحول. ويأتي ذلك اتساقًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت من تنمية رأس المال البشري ورفع مشاركة المرأة في سوق العمل أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق النمو المستدام وتنويع القاعدة الاقتصادية الوطنية. وقد انعكس هذا التوجه في سلسلة من التعديلات النظامية والتنظيمية التي أسهمت في توسيع الفرص المهنية للمرأة، وتعزيز حمايتها الوظيفية، وتهيئة بيئة عمل أكثر عدالة واستقرارًا وأمانًا.

الإطار النظامي لمشاركة المرأة في العمل

تمثل الأنظمة واللوائح الأساس القانوني الذي ينظم علاقة العمل ويحدد الحقوق والالتزامات المتبادلة بين العامل وصاحب العمل، بما يحقق التوازن والاستقرار في بيئة العمل. وفي هذا السياق، يبرز نظام العمل السعودي بوصفه الإطار النظامي الأهم في تنظيم سوق العمل، وقد أكدت المادة (3) منه أن المواطنين متساوون في حق العمل دون أي تمييز على أساس الجنس أو الإعاقة أو السن أو أي شكل من أشكال التمييز الأخرى، سواء أثناء أداء العمل أو عند التوظيف أو الإعلان عنه. ويؤسس هذا المبدأ لبيئة عمل أكثر شمولًا وعدالة، ويدعم حضور المرأة في مختلف المهن والقطاعات على أساس الكفاءة والجدارة.

الحماية الوظيفية والإنسانية للمرأة العاملة

لم يقتصر التنظيم النظامي على إقرار مبدأ المساواة، بل امتد إلى توفير حماية خاصة للمرأة العاملة تراعي بعض الأوضاع الصحية والأسرية المرتبطة بها. ومن أبرز صور هذه الحماية ما قررته المادة (151) من نظام العمل التي منحت المرأة العاملة إجازة وضع بأجر كامل لمدة اثني عشر أسبوعًا، تكون منها الستة أسابيع التالية للوضع وجوبية، مع جواز توزيع الأسابيع الستة المتبقية ابتداءً من أربعة أسابيع قبل التاريخ المرجح للوضع وفقًا لما تراه العاملة، على أن يحدد التاريخ المرجح بشهادة طبية معتمدة، بما يعكس توجهًا تشريعيًا واضحًا نحو تعزيز الحماية الاجتماعية والوظيفية للمرأة العاملة.

وفي الإطار ذاته، منحت المادة (154) من نظام العمل المرأة العاملة عند عودتها إلى مزاولة عملها بعد إجازة الوضع الحق في أخذ فترة أو فترات للاستراحة بقصد إرضاع مولودها، بما لا يزيد في مجموعها على ساعة واحدة يوميًا، وتُحتسب هذه الفترة من ساعات العمل الفعلية دون أي تخفيض في الأجر. وتعكس هذه الحماية حرص المنظم على دعم استمرارية المرأة في العمل مع مراعاة مسؤولياتها الأسرية، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين الحياة المهنية والحياة الخاصة.

كما أولى نظام العمل أهمية خاصة للاستقرار الوظيفي للمرأة العاملة، فنصت المادة (155) على عدم جواز فصل العاملة أو إنذارها بالفصل أثناء حملها أو أثناء تمتعها بإجازة الوضع، ويشمل ذلك مدة المرض الناشئ عن أي منهما متى ثبت المرض بشهادة طبية معتمدة وفي حدود المدة النظامية. وتكتسب هذه الحماية أهمية خاصة لأنها تحد من مخاطر إنهاء العلاقة العمالية في الفترات التي تكون فيها المرأة أكثر احتياجًا إلى الأمان الوظيفي والدعم الإنساني، وهو ما يعزز استقرارها المهني ويشجع على استمرارها في سوق العمل.

تعزيز بيئة العمل الآمنة

لا يقتصر تمكين المرأة في سوق العمل على فتح أبواب التوظيف أو تقرير الحقوق الوظيفية، بل يمتد إلى توفير بيئة عمل آمنة تحفظ الكرامة الشخصية وتصون الخصوصية وتمنع كل ما من شأنه أن يهدد الاستقرار المهني والنفسي للمرأة العاملة. وفي هذا الإطار، جاء نظام مكافحة جريمة التحرش الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/96) وتاريخ 16/9/1439هـ ليشكل ركيزة نظامية مهمة في حماية الأفراد داخل بيئات العمل وغيرها. وقد عرفت المادة (1) من النظام جريمة التحرش بأنها كل قول أو فعل أو إشارة ذات مدلول جنسي تصدر من شخص تجاه آخر وتمس جسده أو عرضه أو تخدش حياءه بأي وسيلة كانت، بما في ذلك وسائل التقنية الحديثة، وهو تعريف واسع يضمن شمول صور التحرش المختلفة وعدم الإفلات من المساءلة بسبب تنوع الوسائل أو الأساليب. كما بينت المادة (2) أن غاية النظام تتمثل في مكافحة جريمة التحرش، والحيلولة دون وقوعها، وتطبيق العقوبة على مرتكبيها، وحماية المجني عليه، صونًا لخصوصية الفرد وكرامته وحريته الشخصية.

وتعزيزًا للحماية النظامية داخل جهات العمل، قررت المادة (5) من النظام التزام الجهات المعنية في القطاعين الحكومي والأهلي بوضع التدابير اللازمة للوقاية من التحرش ومكافحته في إطار بيئة العمل، على أن تشمل تلك التدابير آلية لتلقي الشكاوى، وإجراءات للتحقق من صحتها وجديتها مع الحفاظ على سريتها، ونشر هذه التدابير وتعريف منسوبي الجهة بها. وتظهر أهمية هذه المادة في أنها لا تكتفي بمعالجة الواقعة بعد حدوثها، بل تؤسس لنهج وقائي مؤسسي يجعل من بيئة العمل الآمنة جزءًا من الالتزام التنظيمي على أصحاب العمل والجهات المختلفة.

كما عزز المنظم الحماية الإجرائية للمجني عليه من خلال المادة (4) التي أوجبت على كل من يطلع بحكم عمله على معلومات عن أي من حالات التحرش المحافظة على سريتها، كما حظرت الإفصاح عن هوية المجني عليه إلا في الحالات التي تستلزمها إجراءات الاستدلال أو التحقيق أو المحاكمة. وتمثل هذه الحماية عنصرًا بالغ الأهمية في تشجيع الإبلاغ والحد من الخوف من الوصمة أو المساس بالخصوصية، وهو ما ينعكس إيجابًا على ثقة المرأة في بيئة العمل واستعدادها للاستمرار فيها. كذلك، أتاحت المادة (3) الإبلاغ عن حالات التحرش، وقررت أن تنازل المجني عليه أو عدم تقديم شكوى لا يحول دون اتخاذ الجهات المختصة ما تراه محققًا للمصلحة العامة، وهو ما يعكس الطبيعة الحمائية للنظام وارتباطه بحماية المجتمع وبيئة العمل على السواء.

ومن جانب الردع، قررت المادة (6) عقوبات تصل إلى السجن والغرامة بحق مرتكب جريمة التحرش، مع تشديد العقوبة في حالات معينة، من بينها إذا وقعت الجريمة في مكان العمل أو كان للجاني سلطة مباشرة أو غير مباشرة على المجني عليه. ويكشف هذا التشديد عن إدراك المنظم لخطورة التحرش في البيئات المهنية تحديدًا، لما يتركه من آثار مباشرة على الأمان الوظيفي والاستقرار النفسي والمشاركة المهنية، خصوصًا بالنسبة للمرأة. كما وسعت المادة (7) من نطاق المسؤولية لتشمل من حرض أو ساعد أو اتفق على ارتكاب الجريمة، وكذلك من شرع فيها، مع تقرير عقوبة على البلاغ الكيدي، بما يعكس حرص المنظم على تحقيق التوازن بين الحماية الجادة ومنع إساءة استخدام النصوص النظامية.

وبذلك، يتبين أن نظام مكافحة جريمة التحرش لا يمثل مجرد إطار عقابي مستقل، بل يعد أحد المقومات الجوهرية لتهيئة بيئة عمل آمنة ومحفزة وعادلة، بما يعزز من استدامة مشاركة المرأة في سوق العمل ويرفع مستوى الثقة في المنظومة النظامية الحامية لكرامة الإنسان داخل المجال المهني.

أثر التنظيم النظامي في تمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا

من الناحية الاقتصادية، تمثل زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل رافدًا مهمًا للنمو الوطني؛ إذ تسهم في توسيع قاعدة القوى العاملة، ورفع الإنتاجية، وتعزيز التنوع داخل بيئة العمل. كما أن تمكين المرأة اقتصاديًا يرتبط بتحسين كفاءة استثمار الموارد البشرية الوطنية، ويدعم قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو أكثر شمولًا واستدامة.

ولا يقتصر أثر هذا التمكين على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي من خلال تحسين مستوى معيشة الأسر، وزيادة الدخل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. وبذلك تصبح مشاركة المرأة في سوق العمل قضية تنموية متعددة الأبعاد، تتجاوز كونها سياسة تشغيلية إلى كونها عنصرًا مؤثرًا في بناء مجتمع أكثر إنتاجية وتوازنًا.

أهمية الوعي النظامي والتطوير المستمر

ترتبط فعالية الأنظمة كذلك بمدى وعي أطراف العلاقة العمالية بحقوقهم وواجباتهم، إذ إن نشر الثقافة النظامية يسهم في الحد من النزاعات، ويعزز الامتثال، ويرسخ مبادئ العدالة والشفافية داخل بيئة العمل. ومن ثم، فإن التوعية القانونية تمثل أداة مكملة للنصوص النظامية، وشرطًا مهمًا لتحقيق أثرها العملي.

كما أن التحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة تفرض على المنظم مواصلة تطوير الأطر النظامية بما يتلاءم مع الاقتصاد الرقمي وأنماط العمل المستجدة. ويعكس هذا التطوير المستمر مرونة النظام القانوني السعودي وقدرته على الاستجابة للمتغيرات، مع ضمان استمرار تمكين المرأة ضمن بيئة عمل عادلة وآمنة ومتجددة.

وختامًا، يتضح أن الأنظمة واللوائح في المملكة العربية السعودية أدت دورًا جوهريًا في تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل، من خلال ترسيخ مبدأ المساواة، وتوفير الحماية الوظيفية، وتنظيم بيئة العمل، وتوسيع فرص المشاركة في مختلف القطاعات. كما أن هذا الدور لا يقتصر على التنظيم القانوني المجرد، بل يمتد إلى تحقيق أهداف تنموية أوسع تنسجم مع رؤية المملكة 2030، من خلال بناء سوق عمل أكثر شمولًا وكفاءة واستدامة. ومن ثم، فإن استمرار تطوير الأنظمة ورفع مستوى الوعي بها يمثلان عاملين أساسيين لضمان تعميق مشاركة المرأة وتعظيم أثرها في التنمية الوطنية.

إخلاء مسؤولية: المحتوى المذكور أعلاه لا يُشكل استشارة قانونية، ولا يتحمل المكتب أي مسؤولية قانونية. للاستشارات القانونية، يُرجى التواصل معنا.